كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



كذلك مَنْ أراد أن يستقبل إرسال السماء فعليه أنْ يعد الأذن الواعية والقلب الصافي غير المشوش بما يخالف إرسال السماء، عليك أنْ تخرج ما في نفسك أولًا من أضداد للقرآن، ثم تستقبل كلام الله وتنفعل به.
وسبق أنْ مثلْنا لاختلاف المنفعل للفعل بمَنْ ينفخ في يده وقت البرد بقصد التدفئة، وبمَنْ ينفخ بنفَسه في الشاي مثلًا ليبرده، فهذه للحرارة، وهذه للبرودة، الفعل واحد، لكن المنفعل مختلف.
فقوله تعالى: {اتل مَا أوْحيَ إلَيْكَ منَ الكتاب} [العنكبوت: 45] هذه هي مَيْزة معجزتك يا محمد أنك تستطيع أنْ تكررها في كل وقت، وأن تتلوها كما تشاء، وأن يتلوها بعدك مَنْ سمعها، وستظل تتردد إلى يوم القيامة.
أما معجزات الرسل السابقين فكانت خاصة بمَنْ شاهد المعجزة، فإذا مات مَنْ شهدها فلا يعرفها أحد بعدهم حتى لو كان معاصرًا لها ولم يَرَهَا، فالذين عاصروا مثلًا انقلاب عصا موسى حية ولم يشاهدوا هذا الموقف، ماذا عندهم من هذه المعجزة؟ لا شيء إلا أننا نصدقها ونؤمن بها؛ لأن القرآن أخبرنا بها.
إذن: فمعجزات السابقين تأتي كلقطة واحدة أشبه ما تكون بعود الكبريت الذي يشتعل مرة واحدة، رآها مَنْ رآها وتنتهي المسألة، ولكن القرآن حدثنا بكل معجزات الرسل السابقين فانظر إذن ما أصاب الرسل جميعًا من خيرات سيدنا رسول الله، وكيف خَلد القرآن ذكرهم، وامتدت معجزاتهم بامتداد معجزته.
فكأن القرآن أسدى الجميل إلى كل الرسل، وإلى كل المعجزات؛ لذلك قال تعالى عن القرآن: {وَأَنزَلْنَآ إلَيْكَ الكتاب بالحق مصَدقًا لمَا بَيْنَ يَدَيْه منَ الكتاب وَمهَيْمنًا عَلَيْه} [المائدة: 48].
ثم يقول سبحانه: {وَأَقم الصلاة} [العنكبوت: 45] وملعوم أن اتْل: التلاوة قَوْل من فعل اللسان و{وَأَقم} [العنكبوت: 45] من فعل الجوارح، والإنسان له جوارح متعددة اشتهر منها خمس هي: العين للإبصار، والأذن للسمع، والأنف للشم، واللسان للتذوق، والأنامل للمس.
فقالوا على سبيل الاحتياط: الجوارح الخمسة الظاهرة وقد ظهر فعلًا مع تقدم العلوم اكتشفوا في الإنسان حواس أخرى ووسائلَ إدراك لم تعرف من قبل، كحاسة العضل التي تزن بها ثقل الأشياء، وإلا فبأي حاسة من حواسك الخمسة تعرف الثقل قبل أن ترفع الشيء من على الأرض؟
وكحاسة البَيْن، والتي بها تستطيع أنْ تميز بين سمْك الأشياء بين أناملك، فحين تذهب مثلًا إلى تاجر الأقمشة، فتتناول القماش بين أناملك وتفركه برفق، فتستطيع أن تعرف أن هذا أَسْمَك من هذا.
ومن عجيب الأمر في مسألة الجوارح أن يأخذ اللسان شطر الجوارح كلها، ففعل الحواس الخمسة يسمى عملًا، والعمل ينقسم: إما قول، وإما فعل. فكل تحريك لجارحة لتؤدي مهمة يسمى عملًا، لكن عمل اللسان يسمى قولًا، أما من بقية الجوارح فيسمى فعلًا.
فأخذ اللسان هذه المكانة؛ لأن به الإنذار من الحق، وبه التبشير، وبه البلاغ من الرسول؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {يا أيها الذين آمَنوا لمَ تَقولونَ مَا لاَ تَفْعَلونَ} [الصف: 2].
ولم يقل: ما لا تعملون. لأن القول يقابله الفعل، وهما معًا عمل، والعمل بنية القلب.
لكن، لماذا اختار الصلاة من بين أعمال الجوارح؟ قالوا: لأنها قمة العمل كما سماها النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة عماد الدين» وبها نفرق بين المؤمن والكافر. ويبقى السؤال: لماذا أخذتْ الصلاة هذه المكانة من بين أركان الإسلام؟
ونحب أنْ نشير هنا إلى أن خصوم الإسلام وبعض أهله الذين يخافون من بعثه أنْ يقضي على سلطتهم وطغْيانهم وجبروتهم يريدون حَصْر الإسلام في أركانه الخمسة، فإنْ قلْت بهذه المقولة لا يتعرضون لك، وأنت حر في إطار أركان الإسلام هذه، لكن إياك أن تقول: إن الإسلام جاء لينظم حركة الحياة؛ لأن حظهم في حَصْر الإسلام في أركانه فقط.
وما فَهم هؤلاء أن الأركان ليست هي كل الإسلام، إنما هي أسسه وقواعده التي يقوم عليها بناؤه، لكنهم يريدون أنْ يعزلوا الإسلام عن حركة الحياة. فنقول لهم: نعم، هذه أركان الإسلام، أما الإسلام فيشمل كل شيء في حياتنا، بداية من قمة العقيدة في قولنا: لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق؛ لأن الإسلام دين يستوعب كل أقضية الحياة، كيف لا وهو يعلمنا أبسط الأشياء في حياتنا.
ألاَ تراه يهتم بأحكام قضاء الحاجة ودخول الخلاء، وما يتعلق به من آداب وأحكام؟ أَلاَ ترى أن صاحب الحسْبة المكلف بمراقبة الأسواق، وتنفيذ أحكام منهج الله في الأرض إذا رأى جزارًا ينفخ ذبيحته بفمه يقوم بإعدام هذه الذبيحة؛ لأن الهواء المستخدم في نفخها هواء غير صحي، فهو زفير محمل بثاني أكسيد الكربون، وقد يحمل غازات أخرى ضارة لابد أنْ تنتقل إلى لحم الذبيحة؟
كما أن من مهمته أن يمر بالحلاقين، ويتفقد مدى نظافتهم وسلامتهم من الأمراض، وإذا اشتم من أحدهم رائحة ثوم أو بصل مثلًا أمره بإغلاق محله، وعدم العمل في هذا اليوم حتى لا يتأذى الناس برائحته.
فأي شرع هذا الذي يحافظ على سلامة الناس ومشاعرهم إلى هذا الحد؟ إنه دين الله ومنهجه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة في حركة الحياة إلا ووضع لها أحكامًا وآدابًا. أمثْل هذا الشرع يعزل عن حركة الحياة ويقيد وينحصر في مسائل العبادات وحدها؟
إنك حين تنظر إلى متاعب العالم المتخلف الآن- دَعْك من العالم المتقدم- ستجد أن متاعبه اقتصادية، ولو تقصيْتَ الأسباب لوجدتها تعود إلى التخلي عن منهج الله وتعطيل أحكامه، ووالله لو أنهم أخذوا في أزمتهم الاقتصادية بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع».
لو عملوا بهذا وتأدبوا بأدب رسولهم لخرجوا من هذه الأزمة، وتقلبوا في رَغَد من العيش، إنك لو تحليْتَ بهذا الأدب في مسألة الطعام والشراب لكفتْك اللقمة واللقمتان، وأشهى الطعام ما كان بعد جوع مهما كان بسيطًا.
أما الآن، فنرى الناس يلجئون إلى المشهيات قبل الطعام، وإلى المهضمات بعده، لماذا؟ لأنهم خالفوا هَدْي رسولهم صلى الله عليه وسلم، فهم يأكلون على شبَع، ويأكلون بعد الشبَع.
والحق تبارك وتعالى يقول: {وكلوا واشربوا وَلاَ تسرفوا} [الأعراف: 31] وأثر عن العرب الذين عاشوا في شظف من العيش: نعمْ الإدام الجوع. نعم إنه الغموس الحقيقي، والمشهي الأول.
نعود إلى مكانة الصلاة بين العبادات، ولماذا كانت هي عماد الدين، ومعنى: «الصلاة عماد الدين» و«بني الإسلام على خمس» أن الدين أشياء أخرى، وهذه هي أسسه وقواعده، وحين نتتبع هذه القواعد نجد أن الركن الأول، وهو أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله يمكن أن أقولها ولو مرة واحدة، أما الزكاة فلا تجب مثلًا على الفقير فلا يزكي، وكذلك المريض لا يصوم، والمسافر والحائض. إلخ، وكذلك الحج غير واجب إلا على المستطيع.
إذن: ما هو الركن الثابت الذي يلازم كل مسلم، ولا يسقط عنه بحال؟ إنها الصلاة؛ لذلك أخذتْ مساحة كبيرة من الوقت على مدى اليوم والليلة، وبها يكون إعلان الولاء الدائم لله تعالى، وبها تفرق بين المؤمن وغير المؤمن، فإنْ رأيتَ شخصًا مثلًا لا يصوم أو لا يزكي أو لا يحج، فلك أنْ تقول ربما يكون من أصحاب الأعذار، ومن غير القادرين، لكن حين ترى شخصًا لا يصلي، وقد تكرر منه ذلك فإنك لابد شاك في إسلامه.
لذلك استحقت الصلاة هذه المكانة بين سائر العبادات منذ بدايات التشريع، ألا ترى أن كل فرائض الدين شرعت بالوحي إلا الصلاة، فقد شرعت بالخطاب المباشر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج.
وسبق أنْ مثلْنا لذلك، ولله المثل الأعلى، برئيس العمل الذي يصدر أوامره بوسائل مختلفة حَسْب أهمية المأمور به، فقد يكتفي بأن يؤشر على ورقة، وقد يوصي بها، أو يطلب الموظف المختص فيحدثه بالتليفون، فإنْ كان الأمر هامًا استدعاه شرطيًا إلى مكتبه وكلفه بما يريد.
وكان هذا الاستدعاء تشريفًا لسيدنا رسول الله بقرب المرسل من المرسل، فأراد الحق- سبحانه وتعالى- ألا يحرم أمه محمد فضل أسبغه على محمد فكأنه قال: مَنْ أراد من عبادي أنْ يقرب من كما قرب محمد فكان قاب قوسين أو أدنى فليصل.
ومعنى {وَأَقم الصلاة} [العنكبوت: 45] إقامة الشيء: أداؤه على الوجه الأكمل الذي يؤدي غايته، فالصلاة المطلوبة هي الصلاة المستوفاة الشروط والتي تقيمها كما يريدها مشرعها {إن الصلاة تنهى عَن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45].
والصلاة إذا استوفتْ شروطها نهتْ صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإذا رأيتَ صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فاعلم أنها ناقصة عما أراده الله لإقامتها، وعلى قَدْر النقص تكون ثمرة الصلاة في سلوك صاحبها، وكأن وقوعك في بعض الفحشاء وفي بعض المنكر يعَد مؤشرًا دقيقًا لمدى إتقانك لصلاتك وحرصك على تمامها وإقامتها.
ومعنى {إن الصلاة تنهى عَن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] واضح في قول النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: يا رسول الله، إن فلانًا يصلي، لكن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، فقال: «دعوه، فإن صلاته تنهاه».
فالمعنى هنا أن الأمر ليس أمرًا كونيًا ثابتًا لا يتخلف، بل هو أمر تشريعي عرْضة لأنْ يطاع، وعرْضة لأنْ يعصى، فلو كان الأمر كونيًا ما جرؤ صاحب صلاة عل الفحشاء والمنكر، ومثال ذلك أن أقول مثلًا لأولادي قبل أن أموت: يا أولادي، هذا بيت يكرم مَنْ يدخله.
كلام على سبيل الخبر ولم أقل: أكرموا مَنْ يدخله، فالذي يحترم وصيتي منهم يكرم مَنْ يدخل بيتي من بعدي، والذي لا يحترم الوصية لا يكرم مَنْ يدخله. أما لو قلت: أكرموا مَنْ يدخل هذا البيت فقد ألزمتَ الجميع بالإكرام.
وأوضح من هذا قوله تعالى في شأن المسجد الحرام: {وَمَن دَخَلَه كَانَ آمنًا} [آل عمران: 97] فلما حدث أن اقتحمه بعض أصحاب الأهواء، وأطلقوا النار في ساحاته، وقتلوا فيه الآمنين قامتْ ضجة كبيرة تشكك في هذه الآية: كيف يحدث هذا والله يقول: {وَمَن دَخَلَه كَانَ آمنًا} [آل عمران: 97] فأقاموا هذه الأحداث دليلًا على كذب الآية والعياذ بالله.
وهذا المسلك منهم يأتي عن عدم فهم لمعنى الأمر الكوني والأمر التشريعي، فقوله تعالى: {وَمَن دَخَلَه كَانَ آمنًا} [آل عمران: 97] أمر تشريعي قابل لأنْ يطاع، ولأنْ يعصي، كأن الحق- سبحانه وتعالى- قال: أمنوا مَنْ دخل البيت، فبعض الناس امتثل للأمر، فأمن مَنْ في البيت الحرام، وبعضهم عصى فروع الناس، وقتلهم في ساحته، ولو كان أمرًا كونيًا ما تخلف أبدًا كما لو تتخلف الشمس مثلًا يومًا من الأيام.
وكذلك الأمر في {إن الصلاة تنهى عَن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] فالصلاة تشريع من الله، فإذا كان الله تعالى هو المشرع، وقال: {إن الله يَأْمر بالعدل والإحسان وَإيتَاء ذي القربى وينهى عَن الفحشاء والمنكر} [النحل: 90] يعني: لا يوجد معها فحشاء ولا منكر، وهذا أيضًا صحيح؛ لأنني حين أدخل في الصلاة بتكبيرة الإحرام فإن هذه التكبيرة تحرم علي كل ما كان حلالًا لي قبل الصلاة، ففي الصلاة مثلًا لا آكل ولا أشرب ولا أتحرك، مع أن هذه المسائل كانت حلالًا قبل الصلاة، فما بالك بما كان حرامًا عليك أصلًا قبل الصلاة؟ إذن: فهو حرام من باب أَوْلَى.
فالصلاة بهذا المعنى تمنعك من الفحشاء والمنكر في وقتها؛ لأن تكبيرة الإحرام الله أكبر تعني أن الله أكبر من كل شيء في الوجود حتى من شهوات النفس ونزواتها، وإلا فكيف تقيم نفسك بين يدي ربك، ثم تخالف منهجه؟ فالصلاة بهذا المعنى تنهى على حقيقتها عن الفحشاء والمنكر.
ومعنى {الفَحْشَاء} كل ما يسْتفحش من الأقوال والأفعال {والمنكَر} كل شيء ينكره الطبع السليم {وَلَذكْر الله أَكْبَر} [العنكبوت: 45] ذكر: مصدر، والمصدر يضاف للفاعل مثل: أعجبني ضَرْب الأمير لزيد، ويضاف للمفعول مثل: أعجبني ضرَبْ زيد من الأمير، فحين تقول ذكر الله يصح أن يكون المعنى: ذكْر صادر من الله، أو ذكْر صادر من العبد لله.
فإنْ قلتَ: ذكْر صادر من الله، أي للمصلي، فحين يصلي الإنسان، ويذكر الله بالكبرياء في قوله الله أكبر وينزهه بقول سبحان الله، ويسجد له سبحانه ويخضع، فقد فعلتَ إذن فعْلًا ذكرتَ الله فيه ذكْرًا بالقول والفعل، والله تعالى يجازيك بذكرك له بأن يذكرك، فالذكر ذكر من الله لمن ذكره في صلاته.
ولا شك أن ذكر الله لك أكبر، وأعظم من ذكْرك له سبحانه؛ لأنك ذكرتَ الله منذ بلوغك إلى أن تموت، أما هو سبحانه فسيعطيك بذكرك له منازل عالية لا نهايةَ لها في يوم لا تموت فيه ولا تنقطع عنك نعَمه وآلاؤه، فالمعنى: ولذكر الله لك بالثواب والرحمة أكبر من ذكْركَ له بالطاعة. هذا على معنى أن الذكر صادر من الله للعبد.
المعنى الآخر أن يكون الذكْر صادرًا من العبد لله، يعني: ولذكْر الله خارج الصلاة أكبر من ذكْر الله في الصلاة، كيف؟ قالوا: لأنك في الصلاة تعد نفسك لها بالوضوء، وتتهيأ لها لتكون في حضرة ربك بعد تكبيرة الإحرام، فإذا ما انتهتْ الصلاة وخرجتَ منها إلى حركة الحياة فذكْرك لله وأنت بعيد عن حضرته وأنت مشغول بحركة حياتك أعظم وأكبر من ذكْرك في الحضرة.
ومثال ذلك- ولله تعالى المثل الأعلى- مَنْ يمدح الأمير ويثني عليه في حضرته، ومَنْ يمدحه في غيبته، فأيهما أحلى، وأيهما أبلغ وأصدق في الذكْر؟
واقرأ في ذلك قوله تعالى عن صلاة الجمعة: {يا أيها الذين آمنوا إذَا نوديَ للصلاَة من يَوْم الجمعة فاسعوا إلى ذكْر الله} [الجمعة: 9].
يعني: ذكْر الله في الصلاة، ولا تظنوا أن الذكْر قاصر على الصلاة فقد إنما: {فَإذَا قضيَت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فَضْل الله واذكروا الله كَثيرًا لعَلكمْ تفْلحونَ} [الجمعة: 10] فيجب ألا يغيب ذكْر الله عن بالك أبدًا؛ لأن ذكْرك لربك خارج الصلاة أكبر من ذكْرك له سبحانه في الصلاة.
وروي عن عطاء بن السائب أن ابن عباس سأل عبد الله بن ربيعة: ما تقول في قوله تعالى: {وَلَذكْر الله أَكْبَر} [العنكبوت: 45] ؟ فقال: قراءة القرآن حَسَن، والصلاة حسن، وتسبيح الله حسن، وتحميده حسن، وتكبيره حسن التهليل له حسن. لكن أحسن من ذلك أن يكون ذكْر الله عند طروق المعصية على الإنسان، فيذكر ربه، فيمتنع عن معصيته.
فماذا قال ابن عباس- مع أن هذا القول مخالف لقوله في الآية-؟ قال: عجيب والله، فأعجب بقول ابن ربيعة، وبارك فهمه للآية، ولم ينكر عليه اجتهاده؛ لأن الإنسانَ طبيعي أن يذكر الله في حال الطاعة، فهو متهيئ للذكْر، أما أنْ يذكره حال المعصية فيرتدع عنها، فهذا أقْوى وأبلغ، وهذا أكبر كما قال سبحانه: {وَلَذكْر الله أَكْبَر} [العنكبوت: 45].
لذلك جاء في الحديث الشريف: «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله- ومنهم: ورجل دَعَتْه امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله» هذا هو ذكْر الله الأكبر؛ لأن الدواعي دواعي معصية، فيحتاج الأمر إلى مجاهدة تحول المعصية إلى طاعة.
أما قول ابن عباس في {وَلَذكْر الله أَكْبَر} [العنكبوت: 45] أن ذكْر ربكم لكم بالثواب والرحمة أكبر من ذكْركم له بالطاعة. وحيثيات هذا القول أن ربك عز وجل لم يكلفك إلا بعد سن البلوغ، وتركك تربَع في نعمه خمسة عشر عامًا دون أنْ يكلفك، ثم يوالي عليك نعَمه، ولا يقطع عنك مدده حتى لو انصرفتَ عن منهجه، بل حتى لو كفرتَ به لا يقبض عنك يد عطائه ونعمه.
إذن: فذكْر الله لك بالخَلْق من عدم، والإمداد من عدم، وموالاة نعَمه عليك أكبر من ذكْرك له بالطاعة، وقد ذكرك سبحانه قبل أنْ يكلفك أَن تذكره. كما أن ذكركم له سبحانه بالطاعة في الدنيا موقوت، أما ذكْره لكم بالثواب والجزاء والرحمة في الآخرة فممتد لا ينقطع أبدًا.
ثم تختم الآية بقوله سبحانه: {والله يَعْلَم مَا تَصْنَعونَ} [العنكبوت: 45] هذه الكلمة نأخذها على أنها بشارة للمؤمن، ونذارة للكافر، كما تقول للتلاميذ يوم الامتحان: سينجح المجتهد منكم، فهي بشارة للمجتهد، وإنذار للمهمل، فالجملة واحدة، والإنسان هو الذي يضع نفسه في أيهما يشاء. اهـ.